مرحبًا!

Susanne Bickel

أ.د. سوزان بيكل مديرة المشروع ورئيسة قسم المصريات بجامعة بازل

منحت وزارة الآثار المصرية مشروع جامعة بازل بوادي الملوك التصاريح اللازمة لاستكشاف جميع المقابر غير الملكية الواقعة بمنطقة مركزية بوادي الملوك، وهو امتياز لا يُمنح لكثير من بعثات الآثار الأجنبية. أتاح هذا الامتياز للمشروع إجراء بحث شامل لإجمالي 12 مقبرةً وللمناطق المحيطة بها.

تظل المقابر المكتشفة في وادي الملوك، والتي تنتمي للتراث الحضاري العالمي، بحاجة إلى مزيد من أعمال التوثيق والدراسة والنشر العلمي. ولا تزال هناك مناطق بأكملها بالوادي غير مستكشفة حتى الآن، وهو ما يمثل تهديدًا خطيرًا ويدعو إلى القلق بسبب التأثيرات البشرية والطبيعية القائمة حاليًا. ومن هنا كان اهتمامنا بالحفاظ على المعلومات الثمينة التي تحويها هذه المقابر من أجل إتاحتها في المستقبل للباحثين خاصة وللجمهور عامة.

كرس مشروع جامعة بازل بوادي الملوك جهوده بوجه خاص لتوثيق هذه الآثار المهددة بالاندثار، وأولى اهتمامًا كبيرًا لإدارة الموقع لضمان توفير الحماية المستدامة لهذه المقابر والمناطق المحيطة بها.

بعد سنوات عديدة من الأعمال التمهيدية والتحضيرية نجح فريق المشروع في ربيع عام 2012 في اكتشاف مقبرة جديدة في وادي الملوك (KV64)، وفي التعرف على أكثر من 30 أميرًا وأميرةً من الأسرة الثامنة عشرة في المقبرة (KV40)، التي لم تكن قد اُكتشفت من قبل.

استطاع فريق المشروع على مدار مواسم العمل الأخيرة جمع معلومات مهمة عديدة عن تاريخ وادي الملوك خلال المرحلة الزمنية الممتدة من الأسرة 18 حتى الأسرة 25 (حوالي 1450 – 670 ق.م.)، وعن هوية الأشخاص رفيعي المستوى المدفونين هنا، وعن المواد الجنائزية التي صُنعت من أجلهم.

ويُتوقع ظهور نتائج مهمة جديدة في السنوات المقبلة مع استمرار الأعمال الجارية في المقبرة KV40 والمقبرة KV64، وفي المقابر التي لم تخضع للدراسة والبحث بعد في منطقة الامتياز المخصصة لمشروع جامعة بازل بوادي الملوك.



مجالات البحث

Forschung

يحظى علم المصريات بتاريخ طويل في جامعة بازل فيما يتعلق بأعمال البحث والتنقيب في وادي الملوك. كما أسهمت البعثات الأثرية والأبحاث السابقة بقدر كبير في نجاح المشروع الحالي لجامعة بازل بوادي الملوك.

منذ أوائل سبعينات القرن العشرين كرس "إريك هورنونج"، المدير الأسبق لمعهد المصريات بجامعة بازل، جهوده لتوثيق ودراسة مناظر المقابر الملكية المبهمة للغاية، وذلك في خضم دراسته لكتب العالم الآخر المصرية القديمة.

تحول الاهتمام والتركيز في تسعينات القرن العشرين من المقابر الملكية، التي تمثل الوجه الرسمي لوادي الملوك، إلى استكشاف مظاهر الحياة اليومية والجوانب غير الرسمية المتنوعة لوادي الملوك، التي لم تحظ باهتمام كافٍ في ذلك الوقت:

قام المتخصصون في علم المصريات بجامعة بازل، بين عامي 1998 و2007، في إطار مشروع " بعثة مصر: سيبتاح – رمسيس العاشر"، بإجراء أعمال استكشاف وتوثيق للمنطقة الواقعة أقصى جنوب وادي الملوك. ومن هنا شهد تاريخ البحث في وادي الملوك نقلة نوعية لأول مرة، فلم تعد المقابر الملكية وحدها محور الاهتمام، بل امتد هذا الاهتمام ليشمل سياق هذه المقابر وأبعادها الطبوغرافية والتاريخية والاجتماعية.

واستنادًا إلى الأبحاث السابقة وبالنظر إلى الوضع الطبوغرافي والأثري في الوادي الجانبي المؤدي إلى مقبرة الملك تحتمس الثالث انصب تركيز مشروع جامعة بازل بوادي الملوك على مجالات البحث التالية:

الطبوغرافيا

التضاريس الطبيعية والاصطناعية في الوادي الجانبي والعلاقة المكانية بين المقابر وبعض المعالم المميزة: هل كان لموقع المقبرة دلالة ما من حيث علاقتها المكانية بالمقبرة الملكية والمقابر غير الملكية المحيطة بها؟

العمارة

العلاقة بين الوضع الاجتماعي للأفراد المدفونين والهندسة المعمارية لمقابرهم: كيف يمكن تفسير الأحجام والتخطيطات المختلفة للمقابر، وخلوها من أي زخارف ومناظر؟ وأين مورست الشعائر والطقوس الجنائزية؟

التسلسل التاريخي

التسلسل التاريخي والمراحل الزمنية المتعاقبة لاستخدام الوادي الجانبي: منذ متى وعلى مدار أي مرحلة زمنية اُستخدم وادي الملوك موقعًا لدفن الأفراد من غير الملوك؟ وما هي المراحل التي يمكن إعادة بناؤها لشغل الموقع ضمن سياق المقابر؟

الوكالة

الدافع وراء استخدام المقابر بعد هَجْر الوادي بوصفه جبانة ملكية، وإضفاء الطابع الشخصي على أشكال الدفن: هل كان اختيار المقابر وممارسة طقوس الدفن خلال عصر الانتقال الثالث يسير وفق منهج محدد أم كان يعتمد على قرارات فردية؟

الهوية الاجتماعية

الهوية الاجتماعية والأنساب للأفراد المدفونين بالوادي الجانبي المؤدي لمقبرة الملك تحتمس الثالث: لأي فئة اجتماعية مُنح شرف وامتياز الدفن بالقرب من الملوك مباشرة؟ هل كانت المقابر في الواقع تحذو حذو مقابر ملكية بعينها؟ أم كانت هناك نظم مرجعية وتوجيهية أخرى؟

سرقات المقابر

سرقات المقابر في العصور القديمة: لحساب من كان يُسرق وادي الملوك بهذا الأسلوب المنهجي؟ وما هي الخلفية الاقتصادية والأيديولوجية لهؤلاء اللصوص؟ وما هي السيناريوهات المقبولة منطقيًا للسرقات التي تمت في المقابر الواقعة في الوادي الجانبي؟


المقابر

تظهر مداخل بعض المقابر المنقورة في الصخر في سفوح الوادي الجانبي، والتي كان "فيكتور لوريه" قد كشف عنها عام 1898 تقريبًا. يعود الفضل في بدء هذا المشروع إلى مشروع "مصر" بعد نجاحه في استكشاف موقع المقبرة KV32، بيت الأبدية للملكة "تي عا" (زوجة الملك أمنحتب الثاني). أثار موقع هذه المقبرة العديد من التساؤلات حول استخدام الوادي الجانبي المؤدي إلى مقبرة الملك تحتمس الثالث وحول هوية الأفراد المدفونين هناك.

بادئ ذي بدء، كان لابد من إعادة تنظيف وإخلاء المنطقة والآبار المدفونة للمقبرتين KV26 وKV30 من الركام والمخلفات الحديثة. أمدنا التخطيط المعماري للمقبرتين الأخيرتين والفخار المكتشف بهما بالدلائل والمؤشرات الأولى لتأريخهما بمنتصف الأسرة 18، وإن لم تحتويا سوى على بقايا قليلة من المدافن الأصلية.

أُعيد اكتشاف المقبرة KV59، التي اكتشفها "هوارد كارتر" على أرجح تقدير، والتي كان موقعها بالتحديد قد نُسي مرة أخرى. بدأت الأعمال الأثرية في المقبرة KV31 وفي سطح المنطقة المحيطة بالمقبرة KV40. تم توثيق المخربشات الموجودة بالمنطقة ومحراب التعبد الواقع أعلى المقبرة KV37. وثبت أن المقبرة KV59 تنتمي للأسرة 18، ويبدو أن مياه الأمطار قد غمرتها عدة مرات، وامتلأت بالرديم.

تلا ذلك إخلاء بئري المقبرتين KV29 وKV40 من الرديم. وبالرغم من ظهور المقبرة KV29 على خريطة وادي الملوك منذ عام 1825، ظل موقعها مجهولًا تمامًا. وفي نهاية موسم عمل البعثة في عام 2011، في أثناء اضطرابات وفوضى أحداث "الربيع العربي"، ومع إجراء أعمال التنظيف حول بئر المقبرة KV40 كُشف عن انحراف في التربة، وهو ما عُرّف وقتئذٍ باسم KV40b.

[Translate to Arabic:] Eingang

ثبت أن "المَعْلم" KV40b يمثل مقبرةً جديدةً (KV64) تحتوي على مدفن سليم لم يمس من قبل لسيدة تدعى "نحم إس باستت" "منشدة آمون"، ويعود تاريخه كما تشير الدلائل حتى الآن إلى الأسرة 22. كما كُشف عن بقايا مدفن آخر داخل المقبرة أسفل طبقة الرديم يعود تاريخه للأسرة 18. وتحتوي المقبرة KV33، التي يُنزل إليها بدرج وتقع بالقرب من مقبرة الملك تحتمس الثالث (KV34)، على فخار فقط تقريبًا، ولا تقدم أي دليل على هوية صاحبها.

انتهت أعمال إخلاء الرديم من المقبرة KV64. وانتقل التركيز مرة أخرى إلى "المقبرة الجماعية" KV40، حيث بدأت أعمال إنقاذ وتوثيق بقايا المومياوات العديدة التي تعرضت لأضرار شديدة في الغرفة الجانبية D. وكُشف في سطح المنطقة الواقعة بين KV29 وKV61 عن لخفة كبيرة عليها نقش لساعة شمسية، هي الأقدم من نوعها على مستوى العالم.

نُظفت الغرف الجانبية للمقبرة KV40. وعُثر على أواني فخار سليمة تحمل كتابات بالحبر (بطاقات) كشفت عن هوية بعض الأفراد المدفونين بها بالاسم وباللقب ("أميرة/أمير"). احتوت المقبرة KV40 على ما يزيد عن 80 مومياء لذكور وإناث من أعمار مختلفة، يعود تاريخها للأسرتين 18 و22.

انصب التركيز على توثيق ودراسة الوضع المعقد للمكتشفات القادمة من المقبرتين KV40 وKV64. وأُعيد اكتشاف موقع المقبرة KV37 المختفية، وتم تأمين المدخل المؤدي إلى حجرة الدفن العميقة، التي لم تحتو على أي آثار تذكر. وأجريت أعمال التنقيب والتوثيق بسطح المنطقة المحيطة بالمقبرتين KV40 وKV64.

تُتوقع زيادة المعرفة بتاريخ الوادي الجانبي بعد إخلاء الرديم من المقابر KV29 وKV61 وانتهاء الأعمال في منطقة الدرج الحديدي المؤدي إلى مقبرة الملك تحتمس الثالث. اتسعت المنطقة المخصصة لأعمال بعثة جامعة بازل لتشمل دراسة واستكشاف 12 مقبرةً ما بين مقبرة "ماعحربري" (KV36) غربًا ومقبرة الملك تحتمس الثالث (KV34).

استمرت دراسة وتحليل المومياوات القادمة من المقبرتين KV40 وKV64 والكمية الكبيرة من النسيج وبقايا مواد التحنيط. واستنادًا لفحوصات الطب البشري يمكن تحديد عدد الأفراد المدفونين في المقبرة KV40 وحالاتهم الصحية قبل الوفاة. وتُجرى حاليًا تحاليل الكربون المشع والحمض النووي والتي يٌنتظر أن تقدم نتائج واعدة خلال الأشهر المقبلة.

تُسهم أعمال التنقيب الجارية في المقبرتين KV40 وKV64 في إعادة بناء الطبوغرافيا التاريخية لأرض الوادي. وستكشف أعمال إخلاء الرديم من المقبرة KV61 عن العلاقة بين مجموعة المقابر ذات البئر الواقعة في الشمال في محيط مقبرة الملك أمنحتب الثاني (KV35). وتتطلب الأعداد المتنامية للسائحين في وادي الملوك حلولًا واقعية وتأمينية من أجل الإدارة الجيدة للطرق والحفاظ على المناطق التي تجري بها أعمال التنقيب وحمايتها.

[Translate to Arabic:] Tombs steps/corridor/shaft

تتنوع مقابر وادي الملوك من حيث هندسة وبناء مداخلها بين مقابر ذات ممر لها مدخل بدَرَج ومقابر ذات بئر.

المقابر ذات الممر

تتميز المقابر ذات الممر بسمة تقليدية تتمثل في احتوائها على مدخل يؤدي إلى ممر عمودي منحدر قليلًا وله درج (أو درج مع منحدر). يلي ذلك غالبًا في منطقة المدخل ممرٌ آخر منحدرٌ قليلًا يؤدي إلى غرفة الدفن (كما في KV32 وKV37 على سبيل المثال). تختلف المقبرة KV33 بشكل كبير عن المقابر ذات الممر الأخرى المعروفة حتى الآن، حيث يفتح درج المدخل مباشرة على مساحة مركزية بمحور مستعرض وغرف جانبية.

تتميز عمارة المقبرة KV33، وهي أول مقبرة ترى النور في إطار أعمال تنقيب جامعة بازل، بسمة أخرى تتمثل في الشكل المعقد جدًا لتخطيط هذه المقبرة، حيث أن أرضية الثلث الشرقي للغرفة الرئيسية بها تنخفض بحوالي 20سم عن مستوى أرضية المقبرة بأكملها. وهي سمة تُلاحظ فقط في المقابر الملكية منذ عهد الملك أمنحتب الثاني، حيث كانت المساحة المنخفضة تُنفذ لاحتواء التابوت الحجري. فخفض مستوى أرضية المقبرة لم يحدث بخلاف ذلك في مقبرة غير ملكية، وهو ما يثير التساؤل مرة أخرى حول من كان يفترض أن يدفن في الأصل في المقبرة KV33؟

المقابر ذات البئر

في المقابر ذات البئر يُدخل إلى المقبرة عبر بئر عمودية يبلغ عمقها بضعة أمتار. يفتح قاع البئر على مدخل يؤدي إلى ردهة أو إلى الغرفة الرئيسية مباشرة. وهناك تخطيطات أكثر تعقيدًا لهذه المقابر تتمثل في وجود غرفة جانبية واحدة أو أكثر، تتفرع من الجوانب الطويلة والضيقة للغرفة الرئيسية. تنتمي أغلبية المقابر الواقعة في منطقة امتياز مشروع جامعة بازل بوادي الملوك (KV26, KV29, KV30, KV31, KV36, KV40, KV59, KV61, KV64) إلى مجموعة المقابر ذات البئر. وضمن التخطيطات الأساسية للمقابر ذات البئر تتميز مجموعة المقابر ذات البئر من النمط الثاني، والتي تنقسم إلى مقابر بغرفة واحدة وأخرى بعدة غرف.

يتمثل النمط الأول في المقابر ذات البئر "البسيطة" التي تتكون من بئر فقط تؤدي عند نهايتها مباشرة إلى غرفة رئيسية أو غرفة دفن دون المرور بغرف جانبية. ويظهر هذا النمط في المقابر أرقام KV36, KV61, KV59, KV64.

تفتح البئر في النمط الثاني من المقابر ذات البئر على ممر. ويمكن هنا التمييز بين تخطيطين اثنين: تخطيط المقابر البسيطة، التي تحتوي على ممر يؤدي إلى غرفة رئيسية (كما في KV26 على سبيل المثال)، وتخطيط المقابر المعقدة، التي يؤدي الممر بها إلى مساحة مركزية تتفرع منها عدة غرف جانبية. وتنتمي المقابر KV30, KV31, KV40 لهذا النمط الأخير.

Tombs decoration

الزخارف والأختام

لم تكن الجدران في المقابر التي خضعت للدراسة والبحث مصقولة ولا منقوشة أو مزخرفة. وتظهر على جدران بعض المقابر علامات بطلاء أحمر، كانت تستخدم في أعمال البناء الملكية لتحديد الاتجاهات في تخطيط المقابر.

كُشف في المقابر KV30, KV31, KV40, KV64 عن آثار ختم وإغلاق أصلية عند قاع البئر. تمكن فريق المشروع من إعادة بناء عملية السد والإغلاق بالكتل الحجرية استنادًا إلى بقايا الأحجار والطين والأدوات المكتشفة التي ربما كانت مستخدمة في أعمال البناء: وعليه فقد سُدّ المدخل المؤدي إلى الغرفة الأولى (B أو J) بالكتل الصخرية الكبيرة. وفي الأقداح من النوع المعروف باسم "أصص الزهور" خلط عمال الجبانة الملكية الطين المبلل والممزوج بالقش ليستخدموه في عملية سد المقبرة بالكتل الحجرية. وكانت تضغط الأختام الخشبية بالشعار الرسمي للجبانة (المعبود وبواووت فوق تسعة أسرى) على الطين المبلل المستخدم في عملية الإغلاق. واُستخدم هذا الختم نفسه أيضًا في إغلاق المداخل المؤدية إلى الغرف الجانبية في المقبرة KV40 وسدها بالكتل الحجرية. وظهر بالمقبرة KV31، التي ربما يعود تاريخها إلى عهد الملك تحتمس الثالث، آثار ختم من نوع غير معروف في عملية سد قاع البئر بالكتل الحجرية، يظهر به شكل يمثل اسم المعبود "جب" على الأرجح.

تعرضت مقابر الأسرة 18 كلها في الوادي الجانبي المؤدي إلى مقبرة الملك تحتمس الثالث لأعمال النهب والسلب. وتعرض بعضها لأضرار بالغة وعانت بشدة بسبب تسرب مياه الأمطار إليها:

يمثل السياق الأثري المتغير بشدة على مدار المائتي عام الأخيرة في وادي الملوك وفي المقابر تحديًا كبيرًا. ويسهم التفاعل الجاري بين التخصصات المختلفة بشكل كبير في معالجة وصيانة هذه المواد المعقدة المكتشفة:

يتمثل أحد المظاهر الأساسية للتناول العلمي لمجالات البحث المذكورة في التوثيق الدقيق للمباني الأثرية والمكتشفات الفريدة. ويُنفذ هذا التوثيق بأشكاله المختلفة التي تشمل الرسومات الأثرية والتقاط الصور وإعداد النماذج ثلاثية الأبعاد. واعتمادًا على هذا التوثيق تتم بعد ذلك في جامعة بازل وفي المكتبات التابعة لها معالجة البيانات وفحص وتحليل الأبنية والمكتشفات، وإعداد المنشورات والإصدارات المختلفة.

إلى جانب دراسة الفخار، الذي يقدم دلائل تأريخية مهمة، تعد المعالجات الترميمية للآثار المصنوعة من المواد العضوية إحدى المهام الرئيسية للمشروع في مواسم العمل المقبلة. فقد تعرضت أعداد كبيرة من الآثار وأجزاء الآثار إلى التلف والأضرار بسبب الرطوبة التي خلفتها مياه الأمطار التي تسربت إلى المقابر (KV26, KV59) أو بسبب الحريق الذي وقع في المقبرة (KV40). وتأتي صيانة وحفظ هذه الآثار على رأس أولويات أعمال الترميم التي يقوم بها مشروع جامعة بازل.

احتوت المقابر، التي غمرتها مياه الأمطار (KV31, KV40, KV64)، على كميات كبيرة من الآثار المصنوعة من مواد عضوية (أخشاب وكارتوناج). وتقوم متخصصات من مؤسسة أبيج من مدينة رجيسبرج بسويسرا بفحص ودراسة بقايا المنسوجات المستخدمة في عملية التحنيط وفي المعدات الجنائزية وفق معالجة ترميمية منهجية، وهو ما تشهده مصر لأول مرة.

تخضع بقايا المومياوات القادمة من المقابر KV31, KV40, KV64 للدراسة والفحص بالموقع بإدارة أ.د. "فرانك رولي" (جامعة زيورخ، معهد الطب التطوري والمشروع السويسري للمومياوات) وفريقه، لتحديد العمر عند الوفاة والجنس والحالة الصحية فضلاً عن التشوهات الجسدية للأفراد المدفونين بها. وتقدم البيانات المكتسبة رؤية وإدراك أفضل للعادات الغذائية والصحة العامة ونمط الحياة في البلاط الملكي في الأسرة 18.

وتخضع عظام الحيوانات، التي عُثر عليها في بعض المقابر (KV31) والتي تنتمي للقرابين أو المؤن الجنائزية التي كانت توضع مع المتوفى، للدراسة والفحص من قبل أ. د. سليمة إكرام (الجامعة الأمريكية بالقاهرة).

ستُستأنف خلال مواسم العمل القادمة أعمال المسح ورسم الخرائط للمقابر وللوادي الجانبي. وبناءً على هذه البيانات سيتم إنشاء نموذج رقمي لأرض الموقع وخريطة تفاعلية للوادي الجانبي المؤدي إلى مقبرة الملك تحتمس الثالث. وستسهم هذه البيانات أيضًا في إدراك وفهم طبيعة تطور وتكوين الوادي الجانبي حتى صار موقعًا مقدسًا، وإمكانية تناول أفكار عامة حول مفهوم الجبانة الملكية بالأسرة 18.

يعد وادي الملوك إلى جانب المتحف المصري بالقاهرة أكثر المواقع السياحية ازدحامًا في مصر. ويتمثل أحد المظاهر المهمة للعمل المستدام بوادي الملوك في الصيانة الدقيقة والمعالجة الحكيمة للموقع وللمقابر.     

تتم حماية كل آبار المقابر، التي يجرى إخلاؤها بالفعل في أثناء إخلائها، بإقامة جدار محيط واقي فوق الأرض، وذلك لتوفير الأمان للزائرين ولحماية الآبار والغرف من التعرض للغمر بمياه الأمطار.

تتناغم هذه البنايات الواقية بجدرانها الحجرية المنخفضة وأسقفها الحديدية المطلية بلون الرمال بشدة مع البيئة المحيطة. ومن أجل مستقبل هذه المنطقة بوادي الملوك سيتم مد طريق جديد وتركيب لوحات إرشادية لتقديم معلومات للزائرين.


المكتشفات

بينما كان بعض المقابر (KV30, KV33, KV37, KV59) خاليًا من المكتشفات تقريبًا بعد إخلائها من الرديم، احتوت مقابر أخرى (KV 31, KV40, KV64) على كميات كبيرة من المعدات الجنائزية الأصلية، فضلًا عن أواني تخزين كبيرة بلون أبيض شاحب بها بقايا مواد تحنيط. وبالرغم من الحالة السيئة للغاية لكل هذه الآثار، فهي تقدم لنا، بعد دراستها حتى الآن، صورة مفصلة مدهشة عن هوية وتاريخ شغل المقابر محل عمل وبحث مشروع جامعة بازل.

مدافن الأسرة 18

Fund

نظرًا لقرب موقعها من المقبرتين الملكيتين لتحتمس الثالث (KV 34) وأمنحتب الثاني (KV35) يرجح أن ينتمي الأفراد المدفونين في المقابر ذات البئر إلى المحيط المقرب جدًا من العائلة الملكية. وتدل نوعية المعدات الجنائزية والمومياوات على المكانة الاجتماعية الرفيعة لأصحاب هذه المقابر.

أسهم اكتشاف أعداد كبيرة من "بطاقات المومياوات" التي تحمل كتابات، بالإضافة إلى أكثر من 100 كسرة فخار من أواني عليها مدونات إدارية بالهيراطيقية (بطاقات) في المقبرة KV40، في التيقن من هوية هؤلاء الأفراد. فبالاعتماد على هذه النقوش لم يتم التعرف فقط على أسماء الأفراد المدفونين في هذه المقبرة، بل تم أيضًا العثور على إشارات عن المؤسسة الإدارية التي انتمى إليها هؤلاء الأفراد: هكذا خُصصت المقبرة  KV40 لدفن أفراد من عائلة الملكين تحتمس الرابع وأمنحتب الثالث من "بيت الأطفال الملكيين". وتم تحديد أسماء 30 فردًا على الأقل حتى الآن. من بين هذه المجموعة يحمل ثمانية أفراد لقب "أميرة" ويحمل أربعة أفراد لقب "أمير". دُفن في المقبرة KV40 أطفال صغار (حديثو الولادة/رُضّع) وأفراد بالغين على حد سواء. ولم يُعرف أي من الأفراد المذكورين في "البطاقات" في أي مصادر أخرى حتى الآن.

الحريم الملكي

Fund

إلى جانب الأمراء والأميرات تمكن فريق العمل من التعرف ضمن مجموعة الأفراد، الذين ذُكروا في نقوش الأواني، على مجموعة أخرى من النساء. وكما تشير بوضوح الأسماء غير المصرية لهؤلاء النساء، فقد كُنّ على الأرجح نساءً أجنبيات (بنت-عنات، باشا، إلخ). كان لبعض الأسماء صلة مباشرة بمناطق أجنبية ("سيدة بونت"). وتدل الكتابة الهيراطيقية لبعض الأسماء بمخصص "عصا الرمي" (جاردنر، قائمة العلامات T14 باعتبارها علامة تُخصص لتمييز "الأجانب") على أن هؤلاء الأفراد لم يكونوا مصريين. وبالتالي يمكن الافتراض بأن المقبرة KV40 كانت مخصصة لدفن أميرات أجنبيات مع مجموعة من الخدم من المصريين وغير المصريين. ويبدو أن هؤلاء الأميرات قد أتين إلى البلاط المصري في سياق "زواج دبلوماسي". ويُثير السماح لهؤلاء الأميرات غير المصريات والخدم التابعين لهن بالدفن وفق طقوس جنائزية مصرية خالصة الكثير من التساؤلات حول هوية ومكانة هؤلاء الأفراد ومدى تأثرهم بالحضارة المصرية القديمة.

بالإضافة إلى اكتشاف البطاقات التي تحمل أسماء في المقبرة KV40 عُثر في المقبرة KV64 ضمن البقايا المهشمة لمدفن الأسرة 18 على قرص خشبي صغير على شكل لوحة عليه اسمٌ منقوش لأميرة غير معروفة تدعى "سات إعح" ("ابنة رب القمر إعح)، والتي كانت معاصرة على الأرجح للأفراد المدفونين في المقبرة KV40.

مدافن عصر الانتقال الثالث

Fund

أدت أعمال السلب والنهب الواسعة، التي كُشف عنها في المقبرتين KV 31، KV40، والتي وقعت على الأرجح في أواخر الأسرة 19 وبدايات الأسرة 20، إلى أضرار بالغة في محتويات المقبرتين. ويبدو أن لصوص المقابر اهتموا أكثر بسرقة الآثار والودائع المصنوعة من المعادن لأن محتويات المقابر المكتشفة حتى الآن تخلو من الآثار المصنوعة من هذه المواد. وتُظهر أجزاء التوابيت الخشبية التي بقيت آثارًا واضحة للعنف الذي استخدمه لصوص المقابر في سرقة المحتويات النفيسة والتذهيب الموجود على الألواح الخشبية.

تُظهر المقابر KV26، KV 31، KV40، KV64 آثار إعادة استخدام لها في عصر الانتقال الثالث. ومع ذلك اختلف هذا الاستخدام الثانوي لهذه المقابر اختلافًا كثيرًا. فبينما وُضعت المدافن الجديدة في المقابر KV26، KV 31، KV40 على ما يبدو دون إعداد أو تنظيف سابق للمقبرة، تُظهر المقبرة KV64 على النقيض من ذلك أن بقايا مدفن الأسرة 18 بها قد تمت تغطيته أولًا بطبقة من الأحجار والرمال قبل وضع التابوت الخشبي والمحتويات الجنائزية عليها.

احتوت مدافن عصر الانتقال الثالث على تابوت خشبي وقليل من المعدات الجنائزية (لوحة، صندوق أوشابتي)، ولم تحتو على فخار (المقبرة KV64) أو احتوت على أعداد قليلة منه (KV26، KV 31، KV40). تُؤرخ الأعداد الهائلة من أجزاء التوابيت الخشبية والكارتوناج، التي عُثر عليها في المقبرة KV40 بهذه المرحلة المتأخرة من الاستخدام، بالأسرة 22 وذلك استنادًا إلى أنماطها والمناظر المصورة عليها. ويُؤرخ مدفن منشدة آمون "نحم إس باستت" بالمقبرة KV64 بالمرحلة الزمنية ذاتها أيضًا استنادًا إلى التابوت الخشبي والكتابات على اللوحة الجنائزية، وهي الفترة التي تمتع خلالها كبار كهنة آمون وكهنة تحوت بالسلطة والنفوذ في طيبة بعد تراجع السلطة المركزية في نهاية الأسرة 20.


معرض الصور